الغزالي

496

إحياء علوم الدين

كتاب آداب تلاوة القرآن بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي امتنّ على عباده بنبيه المرسل صلَّى الله عليه وسلم ، وكتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، حتى اتسع على أهل الأفكار طريق الاعتبار بما فيه من القصص والأخبار ، واتضح به سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم بما فصّل فيه من الأحكام ، وفرّق بين الحلال والحرام ، فهو الضياء والنور ، وبه النجاة من الغرور ، وفيه شفاء لما في الصدور . من خالفه من الجبابرة قصمه الله ، ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله . هو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، والعروة الوثقى ، والمعتصم الأوفى ، وهو المحيط بالقليل والكثير والصغير والكبير ، لا تنقضي عجائبه ، ولا تتناهى غرائبه ، لا يحيط بفوائده عند أهل العلم تحديد ، ولا يخلقه عند أهل التلاوة كثرة الترديد . هو الذي أرشد الأوّلين والآخرين ، ولما سمعه الجن لم يلبثوا أن ولوا إلى قومهم منذرين فقالوا * ( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا به ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً « 1 » فكل من آمن به فقد وفق ، ومن قال به فقد صدق ، ومن تمسك به فقد هدى ، ومن عمل به فقد فاز . وقال تعالى : * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ « 2 » ) * : ومن أسباب حفظه في القلوب والمصاحف استدامة تلاوته والمواظبة على دراسته مع القيام بآدابه وشروطه ، والمحافظة على ما فيه من الأعمال الباطنة والآداب الظاهرة ، وذلك لا بد من بيانه وتفصيله وتنكشف مقاصده في أربعة أبواب الباب الأول : في فضل القرءان وأهله الباب الثاني : في آداب التلاوة في الظاهر الباب الثالث : في الأعمال الباطنة عند التلاوة الباب الرابع : في فهم القرءان وتفسيره بالرأي وغيره

--> « 1 » الجن : 1 ، 2 « 2 » الحجر : 9